خرائط الرواية الجديدة وتضاريس الحكي

2018-07-11 11:02:02

«لدي حكاية، أرغب بأن أرويها على الملأ». هكذا فهم عشرات الكتّاب الطارئين جوهر كتابة الرواية، من دون تفكيرٍ بتقنياتها أو عناصر حياكتها، فالحكاية وحدها لا تكفي في بناء فضاء سردي مقنع، إذا لم تخضع للحذف والتركيب في طبقات بلاغية متداخلة ومتجاورة، كما أن واقعية حكاية ما لا تنهض وحدها بالنص، وذلك بغياب التخييل، ونسف التوقّعات الجاهزة، وتالياً فالأمر يتعلق بنوع النول، ومتانة الخيوط، وطريقة الحياكة، ستنجو حفنة من الروايات بقوة الوقائع المقترحة، بينما تغرق روايات أخرى في منتصف المسافة إلى الشاطئ الآخر لنهر السرد، هنا وقفة مع كتابين يتعلقان بشؤون كتابة الرواية وقراءة خرائطها الجديدة:

كيف تكتب الحوار الروائي؟
«تضيء بثينة العيسى في كتابها بين صوتين» جملة من الأسئلة الفنية المتعلقة بكتابة الحوار الروائي، كما يناقش الكتاب أهم الآراء الواردة في هذا الموضوع مع كتاّب عالميين وعرب ويقدم نماذج(أمثلة) ذات قيمة فنية وإبداعية عالية؛ تفتح الطريق لكل من يريد الخوض في هذا المسار الذي هو من نوع السهل الممتنع.
يرتكز موضوع الكتاب، وكما ورد في العنوان، على «فنّيات كتابة الحوار الروائي» حيث رأت المؤلفة أن كتابة الحوار تمثل تحدياً حقيقياً لكاتب الرواية؛ فهي ترتبط بجملة من الخيارات الفنية بالغة الدقّة، التي يجُد الكاتب نفسه مضطراً للمفاضلة بينها وهي: متى يكون الحوار ضرورياً، ومتى يكون فائضاً عن الحاجة؟ ما الذي يذكر في السرد؟ أيكتب بشكل عمودي، أم يكتب مسروداً؟ وهل يكتب باللهجة العامية أم يكتب بالفصحى؟ وهل يمكن الدمج بين مستويات متعددة من اللغة في الحوار؟ ومتى تظهر الحاجة إلى كسرِ المتن السردي بحوار، ومتى يتسبب في تشويق القارئ ومتى يتسبب في إملاله؟
هذه نماذج للأسئلة الحساسة يقدمها كتاب «بين صوتين» وهي أسئلة تواجه كاتب الرواية عند أيّ كتابةٍ حوارية، إذ غالباً ما يجد الروائي نفسه مضطراً للمفاضلة بين مجموعة من الخياراتِ، عن طريق (المحاولة والخطأ)، فيما يشبه العمل المخبري، ويستغرق الأمر عشرات المحاولات من الكتابة والمحو، مثلما يمكن أن تكون الكتابة على أرضية (السبب والنتيجة)، كما ترى بثينة العيسى، حتى يصل الكاتب إلى الصيغة المطلوبة التي هي مسؤولية من يكتب أولاً وأخيراً.
وبناءً على ما تقدم، اشتملت موضوعات الكتاب المحاور الآتية: «ما هو الحوار؟»، «كيف يكتب الحوار؟»، «الحوار والإيجاز»، «الحوار إضافة لمعرفة القارئ»، «الحوار والواقعية»، «الحوار والعفوية»، «الحوار والحبكة»، «الحوار والشخصيات»، «الحوار والوصف»، «الحوار إراحةٌ لعين القارئ» و«لغة الحوار».
الرواية العربية الجديدة: مساءلة الذات والهوية
بعد نحو قرن من الزمان، من الإبداع الروائي، يتساءل «سعيد يقطين» في كتابه المعنون «قضايا الرواية العربية الجديدة.. الوجود والحدود»(الدار العربية للعلوم)، هل نجد تاريخاً للرواية العربية وما هي الحقبة الكبرى، وكيف تحقق تحولها على مستوى الزمن؟ ما هي الأنواع الروائية التي مارسها العرب؟ وما هي الأنواع التي لم يهتموا بها؟ ولماذا؟ وهل عندنا نظرية ما للأجناس الأدبية عامة، والأنواع الروائية خاصة، ما هي اتجاهات الرواية العربية؟ وكيف تتطور هذه الاتجاهات؟ كيف يتم تلقي الرواية العربية؟ كم يصدر منها على صعيد الأقطار العربية؟ كم من نسخة تباع؟ وما هو وضعها بالقياس إلى نظيراتها الغربية والشرقية؟
أسئلة كثيرة تتعلق بالرواية العربية في ذاتها وفي علاقتها بالمجتمع، شكلت مضامين هذا الكتاب في شكل العناصر التسعة الآتية:
1– نشأة الرواية العربية وتاريخ الوسائط: يتتبع الكاتب هنا مسار السرد العربي منذ بداياته الأولى وفي شتى أشكاله مروراً بالمجلس ووصولاً إلى الرواية… كما تطرق للتحول الذي أحدثه ظهور الكتابة واختفاء الطابع الشفوي، ما جعل النسق العام للقراءة يتبدل من حيث بنياته ومقاصده محدثاً قطيعة وثورة هزت الأركان آنذاك، وهي الطفرة الشبيهة بما يحدثه الآن العصر الرقمي على بنيات الإنتاج الثقافي عامة والإبداع والسرد خاصة.
2– الرواية العربية والقصة القصيرة: أي علاقة؟ يلامس الكاتب في هذا الفصل العلاقات التي تربط الرواية والقصة كنوعين ينتميان لجنس السرد، وكذا المكونات التي تجعل كلاً منهما يتميز عن الآخر، واللحظات الحاسمة في درجات التنافر والتساكن…
3– الرواية وقضايا النوع السردي: يعود الكاتب فيها إلى بدايات ظهور السرد الروائي مستعرضاً آراء الباحثين حول نشأة النصوص الروائية، ومناقشاً آراءهم تبعاً لما ورد عنهم من حجج، عاداً أن العوامل التي جعلت الرواية تتأخر في الأقطار العربية تعود أساساً إلى متغيرات الإنتاج والتلقي: النقد، النشر، الصحافة، القارئ… مؤكداً أن مسألة النوع مسألة نسبية ما دام كل طرف من أطراف الإنتاج والتلقي له الحق في تصنيف النص تبعاً لمعاييره الخاصة.
4– أساليب السرد الروائي العربي: تطرق الكاتب في هذا الفصل للأساليب التي جربتها الرواية العربية منذ نشأتها مروراً بالسرد المحكم، فالسرد المتقطع ثم السرد المرسل مبيناً مدى انعكاس هذه الطرائق على المتغيرات السردية، كالراوي والصيغة والقصة والزمن والمتلقي.
5– الميتاروائي في الخطاب الروائي الجديد: وهنا سلط الكاتب الضوء على اشتغال الرواية العربية على ذاتها وطرق تشكلها، حيث عوضت الحكاية بموضوع الخطاب النقدي ذاته، وكأن الرواية تسخر من ذاتها ومن قوالبها التي تروم تقديم مادة حكائية ممتعة لقارئ ساذج، … وهي تجربة انتقلت إلى الخطاب الروائي العربي وافدة من النموذج الأمريكي.
6– الرواية التاريخية وقضايا النوع الأدبي: يعالج الكاتب في هذا الفصل مسألة التعالق بين الرواية والتاريخ وتداخلهما من حيث المادة، فالرواية تستعين بالمادة التاريخية.. وغالباً ما تستعير من التاريخ مادة خبرية تجعلها محور الوقائع والأحداث، لكن هذا الحدث الذي كان لصيقاً بالواقع في المصنف التاريخي فقد واقعيته في الرواية لفائدة التخييل الذي يحوره ويمنحه ميزات أدبية تخرج به من سياق اللحظة التي وقع فيها إلى لحظة لا نهائية تستجيب لخصوصيات الخطاب السردي.
7– الزمن والسلطة في الخطاب الروائي: نال موضوع السلطة اهتماماً بالغاً في الرواية العربية الجديدة، بوصفها من العناصر التي تملأ المخيلة العربية… فباتت من الموضوعات التي تحضر في النص الروائي عن وعي أو من دونه، ولكن اللافت أنها باتت تنفلت من عقالها في الذاكرة المتخيلة لترعى حياتها عبر اللغة في شكل انزلاقات مرضية، شرحها الكاتب في هذا الفصل.
8– السرد النسائي العربي أو رواية الأطروحة النسائية: وفي هذا الفصل يدرس الكاتب وضع المرأة الحالي في الرواية الذي اختلف عن سابقه، خاصة حينما يصدر بصيغة المؤنث ويهاجم الرجل بشكل متطرف وكأنه صانع مآسي كل النساء، كما يبرز الكاتب ما واكب هذه الظاهرة من قيام جمعيات وحركات تتبنى مشروع النهوض بوضع المرأة على مستوى المجتمع المدني، حيث ظهرت مجموعة من المصطلحات والمفاهيم المتناقضة التي توضح أن المرأة كموضوعة ليست جديدة، بل الجديد هو الطريقة والغايات التي من أجلها توظف.
9 – الرواية العربية: الوسائط والتكنولوجيا: ويبرز هذا الفصل مواكبة الروائيين العرب الجدد التقدم التكنولوجي، حيث بات من غير اللائق تجاهل ما يحدث حولنا من تدفق المعلومات، فسارع العديد منهم للاستفادة من مكتسبات التكنولوجيا ووسائطها، وخاصة الحاسوب والإنترنت، ومع أن عملية رقمنة الرواية العربية لا تزال في بداياتها، فإنها استطاعت أن تنتشر عبر الشبكة العنكبوتية، في محاولة لإدخال الرواية العصر التفاعلي الشبكي بالطرق التي وصلها الغرب.
كل هذه القضايا التي تناولها سعيد يقطين تطرح آفاقاً جديدة لمساءلة المنجز الروائي العربي في ضوء المقاربات السردية الجديدة التي تستفيد مما حققته العلوم الإنسانية، لأجل خلق حوار مثمر مع الذات والهوية والجنس الأدبي.

المصدر :تشرين خليل صويلح

#شارك