عندما تقف الآلات الشعبية في حضرة الأوركسترا!

2018-05-15 14:11:30

لم يكن استحضار الآلات الشعبية إلى جانب الأوركسترا في حفل الفرقة الوطنية السورية للموسيقا العربية الذي أقيم على مسرح المركز الوطني للفنون البصرية، بقيادة المايسترو «عدنان فتح الله» مجرد زيادة نغم في الطنبور، كما يُقال، بقدر ما كانت استذكاراً لمقدرة تلك الآلات كالأكورديون والكوله والقانون والربابة على إضافة رونق خاص للهارموني الذي تحققه وتريات الأوركسترا والآلات الإيقاعية المرافقة لها، فضلاً عن إبراز جماليات العزف عليها وفرادة أصواتها وما تملكه من مطواعية في الانجدال تحت لواء الأوركسترا من دون أن تفقد خصوصيتها، فلكل منها طابعها الصوتي الخاص بها، ومداها الواسع للأداء، وقدرتها على أن تكون رئيسة تلتف حولها بقية الآلات على اختلاف المناخات الموسيقية والتنويع على المقامات الشرقية وحساسية الانتقال بينها.

بداية الحفل كانت مع «عيون شاردة» تأليف «خالد محمد علي» وتوزيع كمال سكيكر مع صولو لآلة القانون أدَّاه بجمالية عالية الفنان «عمران عدرا»، هذا السَّماعي بطابعه العراقي المُهيمن على خلفية مشهده الموسيقي الشرقي كان على درجة عالية من الإبهار، ولاسيما من ناحية مزجه للعديد من المقامات الموسيقية إضافة إلى السكوتات المُتكرِّرة، والإيقاعات المؤداة بطريقة استثنائية، حيث شهدنا حواراً بين الوتريات والآلات الإيقاعية، تخلله الكثير مما يُمكن تسميته صمتاً درامياً، نتيجة القدرة التصويرية لهذه المقطوعة التي نَحَتْ باتجاه الأندلسيات الرهيفة في جزء منها، ليتغير المزاج العام للحن ومعه الإيقاع، اللذان يخبوان في النهاية ليتركا مساحةً من التأمل لتلك العيون بعد أن تتركها نغمات القانون لشرودها المديد.

المتعة القصوى تحققت في معزوفة «أوغاريت» لمؤلفها وعازف صولو الأكورديون فيها «وسام الشاعر» وتوزيع مُتقن لمهدي المهدي، إذ إن التَّنوُّع الإيقاعي والتصعيد اللحني أوصلنا إلى ذرا انفعالية عديدة، وزاد من ألق المقطوعة رهافة «الشاعر» وتمكُّنِه من آلته بتوافقاتها الموسيقية السامية، ومطواعيتها بين يديه، يُدَوْزِن بدقة متناهية مقدار الهواء الذي ينقله لكل نغمة مُحدِّداً حساسيتها، مثله تماماً مثل عازف الكَوَلَه «إبراهيم كدر» الذي حقق مع الأوركسترا حضوراً مهماً لمعزوفة «صوت مهاجر» النَّادرة من تأليف وتلحين المبدع «محمد عثمان»، لدرجة شعرنا فيها أننا أمام ترجيع للصوت، عبر تعزيز جماليات التَّناغم بين هذه الآلة الجميلة وعازفي الإيقاع المميزين والآلات الوترية بتنوع أصواتها. ومن خلال لحن قديم حَمَلَ عنوان «تحميل حجاز» بتوزيع المايسترو «عدنان فتح الله» اجتمعت فيه جميع الآلات أسدل الحفل الستار على غنىً موسيقي وحيوية عالية وتوافقات مميزة أثبتت أن الآلات الشعبية على تنوعها قادرة على التماهي مع الأوركسترا ومضاهاة آلاتها بخصوصيتها وتفرُّدها.

#شارك