تل بقرص.. أول قرية زراعية في العصر الحجري

2014-11-27 15:15:21

 

تؤكد اللقى الأثرية المشغولة من الطين أو الصلصال والمكتشفة في مختلف المواقع الأثرية السورية ريادة الحرفيين السوريين عالميا وإبداعهم في هذه الحرفة منذ عصور ما قبل التاريخ فمن سورية انتقلت صناعة الفخار إلى بلاد الرافدين والأناضول وفلسطين ولبنان وسائر أنحاء العالم.

ويقول المؤرخ الدكتور محمود السيد نائب مدير المخابر وقارئ النقوش الكتابية القديمة في المديرية العامة للآثار والمتاحف إن الطين هو جسيمات صغيرة جدا" صفائحية الشكل من الألومينا والسيليكا مرتبطة معاً بالماء يؤثر على لونه مواد مختلفة منها أكسيد الحديد الذي يمنح الطين اللون الأحمر والمركبات الكربونية التي تعطي ظلالاً مختلفة من اللون الرمادي والمادة العضوية التي تمنح الطين اللون الأسود.

ويشهد على براعة الحرفيين السوريين ولمسة أناملهم المبدعة بحسب السيد رأس تمثال رجل مكتشف في موقع تل بقرص الأثري / قرب مدينة الميادين - دير الزور / في خرائب البيت رقم 17 ويؤرخ بالعصر الحجري الحديث ما قبل الفخار بالفترة الواقعة ما بين 6400-5900 ق.م شغل بدقة متناهية و شكل من الطين المشوي ويعتبر من أهم اللقى الأثرية عالميا" وأقدمها والتي توثق تطور قدرات الإنسان ومحاولته المبكرة لتصوير هيئة الرأس و الوجه بصورة كاملة وطبيعية وقوية التعبير وبكامل ملامح الوجه بعد أن شكلت الوجوه البشرية في العصور السابقة والمكتشفة في مختلف المواقع الأثرية في العالم بصورة كثيرة التجريد.

كما يؤكد وجود الرأس البشري ذي الجمجمة المجسمة انتشار عبادة الأجداد في سورية منذ النصف الثاني من الألف السابع قبل الميلاد.

ويمثل تل بقرص الأثري في محافظة دير الزور أنموذجاً لأول قرية زراعية بنيت حسب مخطط موحد تعود إلى العصر الحجري حيث البيوت متلاصقة وتشكل صفاً واحداً على جانبي الطريق وساحة القرية.

 وأوضح الباحث الآثاري يعرب العبدالله أن القرية تعود إلى 5900ق.م، وقد وصل عدد البيوت المتكشفة إلى 188 بيتاً ويضم كل بيت ثلاث غرف طويلة بنيت من اللبن المجفف على الشمس وتم طلاء الأرضيات والجدران بالطين أو الجص وزينت بعض الجدران باللوحات الجدارية الملونة التي غلبت على رسوماتها طيور الإوز والبط، مشيراً إلى أنها الأثر الوحيد المكتشف في حوض الفرات الأوسط ينتمي إلى فترة ازدهار العصر الحجري الحديث.
وقال العبد الله: إن تل بقرص كان مجتمعاً زراعياً مختلطاً جمع بين الزراعة وتربية المواشي إذ تم العثور في الموقع على بقايا نباتات متفحمة محفوظة في كوات من الجص داخل بعض الغرف وأشارت الدراسات في الموقع إلى أن الشعير كان ينمو بشكل طبيعي في منطقة الفرات. وأضاف: إن سكان تل بقرص برعوا أيضاً في مجال الصناعات اليدوية من خلال استخدام المواد الخام المتوافرة في البيئة المحيطة بهم مثل «الألباستر» وهو من الحجر القاسي جداً الذي استخدم في صناعة الأواني مشيراً إلى أن ما أثار دهشة المنقبين هو العثور على «إبر ومثاقب» من صخر «الأوبسيديان» وهو صخر بركاني أسود شفاف مائل للخضرة يصنع منه الزجاج حالياً ولا يوجد إلا في مناطق الأناضول وهو دليل على استخدام الإنسان في هذه المنطقة للدواب والخيول كوسيلة انتقال إلى المناطق البعيدة وكذلك هو دليل على التجارة المبكرة مع المناطق البعيدة. وبين العبد الله أن التنقيبات التي قامت بها البعثة الأثرية الهولندية عام 1976 في تل بقرص أسفرت عن اكتشاف مجموعة كبيرة من اللقى الحجرية والتماثيل البسيطة إضافة إلى توثيق 1600 لقية أثرية معظمها أوان مصنوعة من حجر الصوان إذ عثرت على مجموعة كبيرة لا مثيل لها من الأواني الحجرية استخدمت في تجويفها أدوات ومثاقب مصنوعة من الصخور.
ولفت إلى أن أهم اللقى الأثرية تمثال لامرأة عارية وتمثال لرأس رجل مصنوع بدقة من الطين المشوي إضافة إلى مثاقب ومخارز من حجر الصوان وبلطات مصقولة وأدوات من الصخور القاسية، كما عثرت البعثة الأثرية على حجر رحى عليه نقش لنمر أرقط ومثقب له رأس إنسان وأدوات للنسج مصنوعة من البازلت وخرز متنوع ودمى طينية وأخرى عظمية وتماثيل لبعض الحيوانات مثل الأرنب والسلحفاة ورأس ثور وغيرها من اللقى الأثرية، وعد العبد الله أن كل الموجودات الأثرية في تل بقرص تعطي فكرة كاملة عن قرية زراعية فريدة قامت في منطقة حوض الفرات الأوسط وتعد أول قرية زراعية مكتشفة تليها «تل السن» في قرية «مراط» حالياً شرق دير الزور .

#شارك