شعر.. الشاعر عموري في هذيانه..يصوغ الشعر من عبق الروح والحب والوطن

2017-01-07 12:55:35

يرى الشاعر خليفة عموري أن الشعر أساسه حالة داخلية ورؤى إنسانية وجدانية تحاكي الآخر في همومه، وتمتد لتلامس شغاف روحه، وبقدر مايملك الشاعر من ملكات الاقناع وأساسات الشعر القائمة على الفكرة والقيمة ومن ثم الدهشة،

يستطيع عندها فقط أن يبني جسورا من التواصل مع الآخر، لتعبر أفكاره عبر مفردات منتقاة بعناية ومشغولة بحرفية شاعر عشق الكلمة، وخبر كيف يصوغ من الصور عالما من الإبداع.‏

فالشاعرالحقيقي ابن بيئته ينطلق في مفرداته وقضاياه من واقع يسكنه، فلا يستطيع أن يغرد خارج السرب بعيدا عما يدور في محيطه، وخصوصا أن الشعر يتمتع بخاصية التعبير عن حدث آني وقضية ساخنة ويواكب مايدور في المحيط من حالات تشي بهموم الشارع وقضايا الإنسان الذي يرى في الشاعر نافذة العبور إلى الآخر.‏

ولأن الشعر حالة جمال نجد أن الروح تلتقط تلك الجمالية لخلق حالة التوازن في واقعية الحياة ومدى الضغوط عليها ليكون الشعر هو الفسحة التي تحط بها الروح بعيدا عن مواجع العالم وآلامه.‏

والشاعر عموري في مجموعته البكر «هذيان» الصادرة عن دار العراب للطباعة والنشر، يرى أن الشاعر لا يمكن فصله عن مجتمعه، وكل ما يطرأ عليه خير أو وقائع تنذر بالسوء، لابد أن يتأثر بها، باعتباره جزء لايتجزأ من هذا المجتمع، يقول:‏

مفرداتي ملامح تامة.. ضف عليها.. أبجدية الأمس‏

وزيتونة.. عند السور القريب من البيت..‏

وياسمينة.. عربشت على شرفة الشمس.. ففاح نهار.. هل أدخل ياسيدي؟!‏

ولأننا في زمن الشهادة والشهداء، حيث امتدت اليد الآثمة وعبثت بقدسية تراب الوطن، يرسل الشهيد رسالته لهم:‏

لن تستطيعوا طمس لغتي.. ف «حرفي أخضر» ومسراي درب المدى‏

يستصرخ الصوت الصدى.. والناي ندى.. قبل التراب.. ومضى‏

حدثني الشهيد.. أنا وحي سراب تفشى نورا‏

ينثرني الوطن.. سماء وبعض وطن‏

وربما تكون الدهشة التي يخلقها الشاعر عند المتلقي حالة نسبية يحكمها مستويات الوعي والذائقة عنده، وخصوصا أن الشاعر في إبداعه لايسعى بشكل مباشر إلى خلق تلك الدهشة، بل هو يكتب ذاته وينطلق من إبداعه الخاص بلغة يجيدها وطريقة تفكير غير مستهلكة أو متداولة عند الآخرين، ويكون له صوت خاص نابع من مدى حساسيته للمفردة والفكرة معا وطريقة طرحها على شكل نص شعري أو قصيدة.‏

ونرى الشاعر يذهب في شعره نحو الحداثة متفلتا من قيود العروض ليترك إبداعه يجري كما السيل من عليائه تحكمه روح مفعمة بالمشاعر الفياضة، ورغم قناعته أن علم العروض هو واحد من دعامات الشعر الكلاسيكي، لكنه لايتفرد في تقييم الشعر، لأن ثمة الكثير من النصوص الشعرية النثرية هي تضاهي في مضمونها وشعريتها قصائد الشعر الكلاسيكي.‏

أطرق رأسه ومضى.. يجر انكساره.. يشتم هندامه المنمق ويهمهم:‏

كم كان لون الدم أجمل.. وأحب الوطن‏

وربما يلفتنا هذا العنوان الذي يتصدر المجموعة الشعرية «هذيان» وكأن بشاعرنا قد بلغ حد الثمالة من آلام الحياة وعذاباتها، أو هو يلوذ إلى عالمه الداخلي ليهذي بمكنونات نفسه ويبوح بها، ولا يجد لها ضوابط أو حدود، بل ليطلق صرخته متفلتا من أي نقد أو ضوابط، وهل يحاسب الجريح المتألم على هذيانه الذي يبوح به في غفلة من العقل؟‏

ارفق بي.. حين تراني داميا.. أنشد الحياة..‏

وقلبي خاشع بين فكي الورق‏

أحاول أن أتمطى بالعبارة كي أجزل الشعور كل مرة‏

ينحسر بوحي وأندلق في طريق الصمت، لا لغة تأسر معنى كبيرا..‏

هوالصمت صوت الروح‏

ناي البلاغة.. أحتاج أحيانا بعض الفصاحة والوقت أبكم‏

الشاعر في مجموعته التي تضم بين دفتيها قصائد من عبق الروح والحب والوطن، تشي بشاعر خبر الكلمة وغاص في مكنوناتها واستطاع أن يصوغها لنا شعرا في قواف من نسيج الروح لتصلنا طازجة يفوح أريجها في حنايا النفس واروح بكلمات ربما لم يجهد الشاعر نفسه في البحث عنها بل جاءت عفو الخاطر لتحط في قصائده أغنية عذبة هي صدى الروح والقلب.‏

#شارك