الشاعر نزار قباني

2019-03-25 10:58:28

نزار بن توفيق قباني (1923 ـــ 1998م) شاعر العرب في القرن العشرين، ولد بدمشق لأسرة تهتمّ بالعلم والثقافة، وتشتغل بالتجارة ومنها أبو خليل القباني رائد المسرح الغنائي في سورية ومصر، وكان والده حريصاً على أن يتعلّم ولده الثقافتين العربية والفرنسية بعيداً عن المدارس التي كانت سائدة في دمشق والتي تهتم بإحدى الثقافتين، ولذلك أدخله الكلية العلمية الوطنية التي كانت تجمع بين الثقافتين العربية والفرنسية، ثم تخرج في كلية الحقوق بالجامعة السورية سنة 1944؛ ليعمل في السلك الدبلوماسي، فألحق بسفارة بلده في القاهرة، ثمّ تنقل في هذه الوظيفة من بلد إلى آخر إلى أن استقال سنة 1966؛ ليؤسس داراً للنشر باسمه في بيروت.
أتقن نزار قباني، إضافة إلى اللغة العربية، اللغة الفرنسية في بلده وفي أثناء عمله في باريس، كما أتقن اللغة الإنكليزية التي تعلمها في موطنها في أثناء عمله في السفارة السورية في لندن (1952ـــ1955)، وتعلم اللغة الإسبانية في موطنها حين كان يعمل في السفارة السورية في مدريد (1962ـــ1966)، كما عمل في السفارة السورية في بكّين وطوكيو، وتزوج نزار مرتين كانت الأولى من زهرة آقبيق في سنة 1946، وأنجب منها هدباء وتوفيق، ولكنّ هذا الزواج أخفق؛ ليتزوج مرة ثانية من بلقيس الراوي (عراقية)، وأنجب منها عمر وزينب، ومن أهمّ الأحداث التي أثرت في مسيرة حياته الشعرية انتحار أخته وصال سنة 1938، لأنها لم تستطع أن تتزوج بمن تحبّ، فكان هذا الحدث المؤلم دافعاً قويّاً في اتجاه شعره الغزلي إلى قضية أساسية هي تحرير المرأة.
أصدر نزار قباني قصيدة طويلة بعنوان «دنيا الحروب» عام 1941، ثم أصدر بعد ذلك نحو إحدى وأربعين مجموعة شعرية ونثرية، وكانت مجموعته الشعرية الأولى «قالت لي السمراء» سنة1944 التي كتب مقدمتها منير العجلاني، ثم أصدر بعد ذلك مجموعاته الشعرية الآتية: «طفولة نهد» و«سامبا»، و«أنتِ لي» و«قصائد» و«حبيبتي» و«الرسم بالكلمات» و«يوميات امرأة لا مبالية» و«قصائد متوحشة» و«كتاب الحبّ»، وهذه المجموعات العشر هي مجموع ما تضمنه المجلد الأول من الأعمال الشعرية الكاملة، كما تضمن المجلد الثاني سبع مجموعات شعرية أخرى هي: «أشعار خارجة على القانون» و«أحبّكِ.. أحبُّكِ والبقية تأتي» و«إلى بيروت الأنثى مع حبّي» و«100رسالة حب» و«كل عام وأنت حبيبتي» و«أشهد أن لا امرأة إلاّ أنتِ» و«هكذا أكتب تاريخ النساء»، وتضمن المجلد الثالث بعض أعماله السياسية، وأهمها: «هوامش على دفتر النكسة» و«الممثلون» و«الاستجواب» و«فتح» و«شعراء الأرض المحتلة»، وتضمن المجلّد الرابع من أعماله الكاملة مايأتي: «قصيدة بلقيس» و«الحبّ لا يقف عند الضوء الأحمر» و«سيبقى الحبّ سيّدي». أما المجلد الخامس فقد تضمن «الأوراق السّرية لعاشق قرمطي» و«لا غالب إلاّ الحبّ» و«هل تسمعين صهيل أحزاني»، في حين يتضمن المجلد السادس بعض أعماله الشعرية السياسية، وهي «قصائد مغضوب عليها» و«تزوجتك أيتها الحرية» و«الكبريت في يدي ودويلاتكم من ورق» و«هوامش على دفتر النكسة».
أما المجلدان السابع والثامن فهما في نثر نزار، وتضمن المجلد السابع الأعمال النثرية الآتية: «الشعر قنديل أخضر» و«قصتي مع الشعر» و«عن الشعر والجنس والثورة» و«المرأة في شعري وفي حياتي»، في حين يتضمن المجلد الثامن الأعمال الآتية: «ما هو الشعر؟» و«العصافير لا تطلب تأشيرة دخول» و«لعبت بإتقان وها هي مفاتيحي» و«جمهورية جندستان»؛ وهي مسرحية، وهناك أعماله الشعرية التي أصدرها في مجموعات، كـ«أنا رجل واحد... وأنتِ قبيلة من النساء» الصادر في سنة 1993.
نزار قباني شاعر النصف الثاني من القرن العشرين بلا منازع، فهو أكثر شعراء العربية إنتاجاً وشهرة ومبيعاً وجماهيريةً؛ لأسلوبه السهل الممتنع، وشفافية شعره، وغنائيته الأخّاذة، وقد اشتغل هذا الشاعر على موضوعين رئيسين: المرأة والسياسة.
نزار قباني شاعر المرأة في العربية، فقد نحت صورتها وسوّاها إلى أن جعلها وردةً دائمة الأريج من جهة، وهو الذي دعاها إلى أن تثور على وضعها الدوني من جهة أخرى، فكان شعره فيها جمالياً وتحرّريّاً، ففي أعماله الأولى «قالت لي السمراء» و«طفولة نهد» و«سامبا» و«أنت لي» و«قصائد» شيء من الحسية ووصف لمفاتن الجسد وجماليته في الوقت نفسه، وفي شعره في هذه المرحلة اهتمام بالغ باللغة، مما يقرّبه من المذهب البرناسي من جهة ورمزية سعيد عقل من جهة ثانية، فهو يقول من قصيدة بعنوان «اسمها»:
إسْمُها في فمي.. بكاءُ النوافيرِ
رحيلُ الشّذا...حقولُ الشقيق
حزمةٌ من توجّعِ الرّصدِ.. رَفٌّ
من سُنُونُو يهمُّ بالتحليقِ
كنهورِ الفيروزِ يهدرُ في روحي
وينسابُ في شعوري العميقِ
كلهَاثِ الكرومِ، كالنشوة الشقراء
غامتْ على فمِ الإبريقِ
كمرُورِ العطور مبتلّة الريشِ
على كلِّ منحنى ومضيقِ

وعند استعراض بعضٍ من عنوانات قصائده في هذه المرحلة يُدرك أحد الأسباب التي جعلت نزاراً يمتلك شهرة غير مسبوقة في الشعر العربي، فقد تحدَّى مجتمعاً مازال محافظاً في النصف الأول من القرن العشرين، فجاءت قصائد نزار تلبّي حاجة القارئ، وتسمو بجمالياتها عن العادي والمألوف اللذين كانا يهيمنان على الشعر العربي في ذلك العصر، فمن عنواناته في مجموعته «قالت لي السمراء» «مذعورة الفستان ـ زيتية العينين ـ فم ـ القرط الطويل ـ رافعة النهد ـ نهداك ـ البغي»، وفي مجموعته «طفولة نهد»: «الضفائر السود ـ شمعة ونهد ـ إلى ساق ـ حلمة ـ العين الخضراء ـ الشفة ـ إلى مضطجعة ـ القبلة الأولى ـ همجية الشفتين ـ ذئبة ـ امرأة من دخان ـ نار ـ طائشة الضفائر ـ المستحمة ـ عند امرأة ـ مصلوبة النهدين»، وهكذا تستمرّ هذه العنوانات في مجموعاته الأخرى.
يتعانق في قصائد نزار في المرأة الوصفان الحسيّان: الخارجي والداخلي، والجمال والرغبة، والصراحة والتلميح؛ ولذلك كان نزار قريباً من المرأة وإحساساتها، وأراد منها أن تكون ندّاً لرفيقها الذكر وشريكاً له في المجتمع الإنساني، ولاتكون هذه الشراكة سليمة إلا إذا كانت مبنية على أساس متين؛ هو الحبّ والتفاهم والصداقة والاحترام، فمن ذلك المقطع الأول من قصيدته «صباحك سكِّر»:
إذا مرّ يوم ٌ. ولم أتذكّرْ
به أن أقولَ: صباحُكِ سكّرْ..
ورحتُ أخطٌّ كطفلٍ صغيرٍ
كلاماً غريباً على وجه دفترْ
فلا تضْجري مِنْ ذهولي وصمتي
ولا تحسبي أنّ شيئاً تغيّرْ
فحين أنا. لا أقولُ : أُحبُّ..
فمعناهُ أني أُحبّكِ أكثرْ....

وقد حاول نزار من جانب آخر أن يحرّر جسد المرأة من أن يكون سلعة تُباع وتُشرى إلى غاية إنسانية نبيلة، ومن إرادة مسلوبة إلى سلطة الإرادة، فهي إنسان كامل لها ما للرجل من إرادة وإحساسات وعواطف، وهي صاحبة الحق الكامل في حياتها، ولذلك دعاها إلى الثورة على بعض العادات الدخيلة في المجتمع في كثير من قصائده، كما دعاها إلى رفض الظلم والتمرد على كل ما يقف في طريق تحقيق إنسانيّتها، وقد تجلّى ذلك في عمله الشعري الرائد «يوميات امرأة لا مبالية» الذي استهله بهذا الخطاب النزاري العنيف:
ثُوري ! أحبّكِ أن تَثُوري..
ثُوري على شرق ِ السبايا.. والتكايا.. والبخُورِ
ثُوري على التاريخ ِ، وانتصري على الوهم ِ الكبيرِ
لا ترهبي أحداً، فإنَّ الشمسَ مقبرةُ النسورِ
ثوري على شرق ٍ يراكِ وليمة ً فوق السريرِ

وثمة أمر ينبغي أن يشار إليه في هذا المقام، وهو أن القارئ يجد كثيراً من الأوصاف الحسية في بعض قصائد نزار، وهي في حقيقة الأمر لا تتناقض كل التناقض مع دعوته إلى تحرير المرأة، وقد تجلّت هذه الظاهرة في عمله الطويل «يوميات امرأة لا مبالية»، فالخطان يسيران جنباً إلى جنب، فالاعترافات تكشف عن اعتزاز هذه الأنثى بجسدها الذي أراده خالق الكون على ما هو عليه، وهي في الوقت ذاته تسعى إلى أن تكون إنساناً حرّاً ومسؤولاً.
أما شعره السياسي فهو لا يقلّ عن شعره في المرأة شهرةً وانتشاراً على الرغم من أنّ نزاراً لم ينتم ِ إلى أيّ حزب سياسي يحتضنه، ويشجّع شعره، كما هي الحالة عند معظم الشعراء العرب المعاصرين المشهورين، وعلى الرغم من أنّ صوت نزار كان قبل النكسة 1967م مخصصاً في الجملة لموضوعات المرأة جمالاً وتحريراً إلا أن المجتمع العربي لم يغب عن ذهنه، وقد تبدى ذلك في قصيدته «غرناطة» وهي حوارية بينه وبين صبية إسبانية حسناء:
سارت معي.. والشعر يلهث خلفها
كسنابلٍ تُركت بغير حصادِ
يتألق القُرْط الطويل بجيدهــا
مثل الشموع بليلةِ الميلادِ
ومشيتُ مثل الطفل خلف دليلتي
وورائيَ التاريخ.. كومُ رمادِ
الزخرفاتُ أكادُ أسمعُ نَبْضها
والرَّزْكشاتُ على السُّقوفِ تنادي
قالت: هنا الحمراءُ زهوُ جدودنا
فاقرأ على جدرانها أمجادي
أمجادُها!! ومسحتُ جرحاً نازفاً
ومسحتُ جرحاً ثانياً بفؤادي
يا ليتَ وارثتي الجميلة أدركتْ
أنَّ الذين عَنَتْهُمُ أجدادي..

وكذلك تبدى اهتمامه بالمجتمع في قصيدته الشهيرة «خُبزٌ وحشيشٌ وقمر»، إذ حاول أن يتلمس فيها أسباب التخلف الاجتماعي الذي تعيشه الأمة، فوصف حالات التواكل التي تنتاب المواطنين وهم يتسجدون السماء، ويزورون قبور الأولياء، ويمضغون التبغ والأفيون، ويبحثون عن الخبز ويهتزون طرباً لبطولات القدماء:
في بلادي.. في بلاد البسطاء
حيثُ نجترُّ التواشيح الطويله..
ذلك السُّلُّ الذي يفتك بالشرقِ
التواشيح الطويله..
شرقنا المجترُّ.. تاريخاً
وأحلاماً كسوله
وخرافاتٍ خوالي..
شرقنا الباحثُ عن كلِ بطوله
من أبي زيدٍ الهلالي..

ولكن لما حصلت النكسة بصدمتها التاريخية البالغة أصبح نزار شاعر السياسة الأول في قصيدته التي أحدثت ضجّة حينذاك، وتلقـّـفها الناس كالخبز والماء والدواء «هوامش على دفتر النكسة» ومن مقاطعها:
يا وطني الحزينْ
حوَّلتَني بلحظةٍ
من شاعرٍ يكتبُ شعرَ الحبّ والحنينْ
لشاعر ٍيكتبُ بالسّكّينْ

كان نزار ضمير المرأة، فأصبح ضمير الأمة، فغنى كما لم يغنِّ شاعر من قبل لدمشق، فهي في شعره أمّ الدنيا ومدينة الطيب ومركز الفتح العربي، وقلب العروبة في كلّ زمان ومكان، وهو جزء لا يتجزّأ منها، فهي موطنه وأرض أجداده، وفيها ملاعب طفولته وصباه وشبابه، ثم هي مدينة الجمال والتاريخ والبطولات، ولذلك يقول في إحدى قصائده:
قمرٌ دمشقيّ ٌ يُسافرُ في دمــــي
وبلابلٌ وسنابِلٌ.. وقبــــــــَابُ
الفلّ ُ يبدأ من دمشق بياضـــــهُ
وبعطرها تتطيَّبُ الأطيـــــابُ
والماءُ يبدأ من دمشق.. فحيثما
أسندتَ رأسَكَ، جدولٌ ينسابُ
والشعر عصفورٌ يمد ّجناحــــه
فوق الشآم ِ وشـــــاعرٌ جوَّابُ
والخيلُ تبدأ من دمشقَ وعندها
تبقى اللغاتُ، وتُحفظُ الأنسابُ
ودمشقُ تُعطي للعروبةِ شكلها
وبأرضها تتشكّلُ الأحقـــــــابُ

وغنّى نزار لبيروت كما غنّى لدمشق، وخاصة أنها المدينة التي احتضنته طويلاً، وآلمه ما حلَّ بها من أحداث موجعة في الحرب الأهلية، فنظم لها عدداً من القصائد، ومنها «يا ستّ الدنيا يا بيروت» و«سبع رسائل ضائعة في بريد بيروت» و«بيروت محظيتكم... بيروت حبيبتي» و«إلى بيروت الأنثى مع الاعتذار»، ومن قصيدته الأولى:
ماذا نتكلَّمُ يا بيروت
وفي عينيكِ خلاصة ُ حزن البشريَّهْ
وعلى نهديكِ المحترقين.. رمادُ الحرب الأهليهْ
من كان يفكّرُ أن نتلاقى - يا بيروتُ- وأنتِ خرابْ؟
من كان يفكّر أن تنمو للوردةِ آلافُ الأنيابْ ؟
من كان يفكّرُ أنّ العينَ تقاتلُ في يوم ٍ ضدَّ الأهدابْ؟

وغنّى نزار للقدس الجريحة غناءً ممزوجاً بالحسرة على واقعها الراهن متفائلاً بمستقبلها العربي:
يا قدسُ يا حبيبتي/ غداً.. غداً سيزهرُ الليمونْ
وتفرحُ السنابلُ الخضراءُ والغصونْ
وتضحكُ العيونْ
وترجعُ الحمائمُ المهاجرهْ
إلى السُّقوفِ الطاهرة

وغنّى للحرية أيضاً وغنّى للوحدة العربية، ورفض أن يكون هذا العالم المجزأ وطنه العربي في قصيدته «قرص الأسبرين»:
ليس هذا الوطن المصنوعُ من عشرين كانتوناً..
ومن عشرين دكاناً
ومن عشرين صرّافاً وحلا ّقاً وشرطيّاً وطبّالاً.. وراقصةً
يُسَمَّى وطني الكبير

وانتقد مسار الهرولة للتطبيع مع الكيان الصهيوني في «المهرولون» و«عرب ما تحت الصفر» وسوى ذلك كثير كثير.
استطاع نزار أن يحقق طموحه الشعري الذي أعلنه في مقدمة مجموعته الثانية «طفولة نهد»، وهو أن يجعل من الشعر حاجة ضرورية في كل منزل، كالخبز والهواء والماء، وكان نزار انتقائياً في استخدام مفرداته، ففي معجمه الشعري ألفاظ مألوفة وكثيرة الدوران، وفيه ألفاظ لم تستخدم من قبل، كالمناكير والتلفون ورافعة النهد، ولنزار معجم جسدي اعتنى بجزئياته وتفاصيله، وقد استطاع أن يكون صاحب أسلوب لا يُقَلَّـد، أو ما يُسمّى بالسهل الممتنع.
تتميّز قصائد نزار ونثره بالثورة والعنف والطفولة والدهشة، وهو الذي حطّم صورة المرأة الجارية والوطن المجزّأ، وكان شعره انقلابيَّاً متجدّداً، ولذلك يصحّ فيه قول جبرا إبراهيم جبرا: «الكثير من شعر هذا العصر سينقرض، والكثير من الأسماء اللاّمعة فيه سَتُنْسى، ولكنَّ اسماً واحداً من السهل على المرء أن يجزم ببقائه: نزار قباني».

#شارك