الغليان

2019-05-16 09:53:03

إذا لم تَرفع التطورات الأخيرة - الغامضة لكن غير المُفاجئة - التي جرت قبالة ميناء الفجيرة، درجة حرارة مياه الخليج إلى مُستوى الغليان الذي يُوازي درجة حرارة السياسيين المُندفعين إلى حماقاتهم والقراصنة المُتحفزين دائماً لمُغامراتهم الجديدة، فإنّ القادم من تطورات تتسارع كفيلٌ ربما بإظهار مُؤشرات الغليان، التي من أبرز حالاتها الوصول إلى مرحلة التبخر!.
ما الذي سيَتبخر؟ يَسأل كثيرون، التهديداتُ الأميركية ستَتَبخر ويَنكفئ مُطلقوها استعداداً للرحيل؟ أم مياهُ الخليج وصِبية إماراته ستَتَبَخَر؟.
في الحقيقة تَبقى كل الاحتمالات واردة، حتى عندما يَتقدم العقلاء خطوة إلى الأمام لنزع فتيل تفجير زرعه مُتهور أو شرَعَ بتثبيته سياسي غير ناضج وتَنقصه الخبرة، ذلك أنّ ما يَفصل الأطراف المُتنازعة - في حالات التوتر المُتعاظمة - عن الانزلاق لما هو مُرشح للخروج بسرعة عن السيطرة، حركةٌ غير مَحسوبة أو تَصرف غير مسؤول.
القَرصنة بمعناها السياسي، والقرصنة بمعناها الواقعي الذي جَسدته التفجيرات التي استهدفت الناقلات النفطية والسفن التجارية في بحر العرب، قد تنجح باستدراج الآخرين - طرف أو عدة أطراف - لمُواجهة ساخنة تَرتفع فيها نبرة التهديد ومُفردات الوعيد، لكنها تَبقى أقل من أن تَجعل هذه الأطراف تَنخرط بحرب خَطط لها الخصم واستعد لتوجيه مساراتها في الاتجاهات التي رسمها مُسبقاً.
في هذه الحالة النجاح، مُجرد النجاح بإحباط مُخططات العدو سيكون نجاحاً كبيراً، فكيف إذا تَحقق النجاح بتحويل المسارات، وبالتأثير في الاتجاهات، فضلاً عن النجاح بزعزعة صفوف العدو، وبتَشتيت انتباه واهتمام حلفائه، ناهيك عن النجاح بإظهار الحقيقة التي تُحَدّثُ عن هشاشة غير مُتوقعة تَكشفها ردود الفعل الأولى التَّمهيدية لا المُركزة أو تلك التي تَعقبها وتكون عادة أشد تركيزاً!.
لا نَتَحدث عن قوّة إيرانية خارقة بذاتها وبظَهيرها الذي يَتوفر لها على امتداد محور المقاومة، ولا نتحدث عن خصم غَبي أو مُتهور لكن يَمتلك من أسباب القوة والغرور والصلف والعنجهية ما يُؤهله ليقوم بكل ما هو مجنون وأحمق، لكننا نتحدث عن حالة ماثلة، عن وضع قائم، وعن حقائق ومَخاطر تتهدد الجميع، ويُصر الجانب الأحمق على عدم الاستفادة من الدروس السابقة.
أحد أهم هذه الدروس - ولمّا يَنته بعد - الدرسُ السوري الطويل، إذ فَعَلَ الجانب الأحمق أقصى ما يُمكنه فعله، وحشدَ له بما لا سابقة له، وخططَ ووضعَ خططاً بديلة عوضاً عن خطة بديلة واحدة، لكنه إلى أين انتهى؟ إلى الفشل، إلى الخيبة والهزيمة، ولأنه لا يريد الاعتراف بهزيمته يَهربُ إلى القرصنة ويَخلط عامداً مُتعمداً بين أشكالها السياسية والعَملية، لعله يَصنع فرقاً أعياه البحث عنه!.
الغليانُ يتجلى في مَواضع وأماكن أخرى، مياهُ الخليج ليست وحدها التي تغلي، ولن تكون وحدها التي ستتبخر، ولمعرفة المَزيد ينبغي السؤال عن كل من بَدا في سورية وضدها يغلي كالمَرجل، لا بد من البحث عن هؤلاء: أيُّ أبخرة تصاعدت منهم؟ كما ينبغي للجميع مَعرفة أنّ الذي اندحر وتبخر في سورية ليس مشروع النكرات من أمثال زهران علوش. صبرا. كيلو. غليون. وصولاً للبغدادي والجولاني، وإنما الذي تَبخر واندحَر هو المشروع الصهيوأميركي ذاته، الذي تُلاحقه واشنطن من بوابات مُختلفة، وتَهرب إليه ذات الأطراف الشريكة لها، والتي تَغلي معها في القِدر ذاته!؟.

علي نصر الله

#شارك