ترامب إلى أين؟

2019-04-15 10:33:07

لم تشهد السياسة الأميركية طيلة العقود الماضية حالة من المزاجية والفوضى والتناقض وعدم الثبات كما هو حاصل خلال حكم الرئيس دونالد ترامب الذي وصل إلى سدة البيت الأبيض خارج كل التوقعات واستطلاعات الرأي العام، وهو الذي دشن بداية ولايته باتخاذ سلسلة من القرارات التي شكلت مفاجأة للكثيرين داخل الإدارة الأميركية وخارجها، وظهر وكأنه على خلاف مع المؤسسات التقليدية الأميركية ولا سيما أنه يطلق العديد من التصريحات والمواقف التي تفاجئ المؤسسات الأميركية كوزارة الخارجية والدفاع وأعضاء الكونغرس الأميركي، ولعل أخطر ما اتخذه من قرارات خلال السنتين المنصرمتين من حكمه هو ما تعلق بالقضية الفلسطينية والصراع العربي الإسرائيلي ومشكلات المنطقة على وجه العموم، فهو أول رئيس أميركي نفذ كل ما تعهد به في حملاته الانتخابية بشأن القدس والاعتراف بها عاصمة موحدة للكيان الصهيوني، وناقلاً السفارة الأميركية إليها متحدياً بذلك كل القرارات الدولية وضارباً عرض الحائط بميثاق الأمم المتحدة ومستفزاً لمشاعر مئات الملايين من العرب والمسلمين بوصف القدس الوطن الروحي للمؤمنين مسلمين ومسيحيين، ولم يقف عند حدود ذلك بل قام بإغلاق الممثلية الدبلوماسية الفلسطينية في واشنطن وأوقف المساعدات لوكالة الأونروا بهدف التضييق ومحاصرة اللاجئين الفلسطينيين، إضافة إلى انسحاب أميركا من منظمة اليونسكو بسبب قبول فلسطين عضواً فيها ما يعني أن ترامب يتصرف وكأنه رئيس إسرائيلي لأميركا ما حدا بوزير خارجيته بومبيو إلى القول إن الرب قد أرسله لحماية إسرائيل الأمر الذي يعكس سطوة تيار الإنجيليين في الإدارة الأميركية وصهينتها وجعلها ذراعاً سياسية للكيان الصهيوني في واشنطن وفي هذا السياق واستمراراً لتلك السياسة المتصهينة.

إن قرار الرئيس الأمريكي الاعتراف بضم الجولان العربي السوري المحتل إلى الكيان الإسرائيلي يمثل استمراراً لتلك السياسة والنهج القائم على الانجراف الكامل وراء المطامع والرغبات الإسرائيلية وتنفيذ ما تمليه عليه المطامع الصهيونية التوسعية الرامية إلى تحقيق الحلم الصهيوني بتحقيق إسرائيل الكبرى على حساب الدول العربية وسيادتها وكياناتها الوطنية ووجودها القومي إضافة إلى أن ذلك القرار يستخف ويتحدى مشاعر العرب ويمهد مستقبلاً لقرارات أكثر وقاحة وعدواناً على حقوقهم وكرامتهم وأمنهم الوطني والقومي إن لم يواجه بموقف عربي موحد ورافض لتلك السياسة تعززه إجراءات عملية من قبيل سحب مبادرة السلام العربية وسحب السفراء وتخفيض العلاقات الاقتصادية وعدم شراء السلاح الأميركي والدعوة لانعقاد جلسة الأمن وهيئة الأمم المتحدة لمناقشة ما جرى بوصفه:

١- أنه قرار مخالف لقرارات الشرعية الدولية الصادرة عن مجلس الأمن الدولي ولا سيما القرار ٢٤٢ الصادر في ٢٢/١١/١٩٦٧ الذي لا يجيز الاستيلاء على أراضي الغير بالقوة، ويطالب إسرائيل الانسحاب من الأراضي التي احتلتها في عدوان الخامس من حزيران لذلك العام.
٢- أنه يشرعن الاستيلاء على أراضي الغير بالقوة وهذا يتعارض مع ميثاق الأمم المتحدة ونصوص معاهدة وتسفاليا لعام ١٦٤٦ التي تؤكد ضرورة احترام سيادة الدولة الوطنية.
-٣- أنه يمثل استهتاراً بالحقوق العربية وعدم احترام لأبناء الأمة ولا سيما أنه سبقه قرار نقل السفارة الأميركية إلى القدس والاعتراف بها عاصمة للكيان الصهيوني.
٤- أنه يحل مبدأ القوة العسكرية بدل القانون الدولي والعدالة الدولية في العلاقات بين دول العالم.
٥- أنه يمثل ويمهد لقرارات مستقبلية قد تستهدف الضفة الغربية وغزة المحتلين وغيرهما من أراضٍ عربية محتلة.
٦- يشكل سابقة في العلاقات الدولية قد تدفع باتجاه الحروب والعدوان والأطماع ويسيل لعاب قوى تضمر شراً للأمة العربية ولديها أطماع تاريخية في أراضيها مثل تركيا وغيرها.

وإضافة إلى ما تقدم فإن ذلك القرار يمثل خطوة خطيرة باتجاه تحقيق الحلم الصهيوني بما يسمى إسرائيل الكبرى في ظل حديث عن حقوق اليهود في البلدان العربية، وترويج كتاب بعنوان الطريق إلى مكة يدَّعي حقوقاً لهم فيها وضرورة استعادتها، كما أريد منه أن يكون شكلاً من أشكال العقوبة والانتقام من سورية التي هزمت الإرهاب وأفشلت المشروع الأميركي الصهيوني الإخواني الذي استهدف المنطقة العربية والإقليم على وجه العموم، وتعويض ومكافأة لإسرائيل التي سقطت وفشلت كل رهاناتها في العدوان والحرب الإرهابية على سورية، وكذلك السعي لإثارة قضية الجولان لصرف الأنظار عما يجري من عدوان في الجزيرة السورية ومحافظة إدلب تقوم به أميركا وتركيا وبعض القوى الانفصالية والعميلة الشريكة لها بهدف تكريس أمر واقع فيهما يخدم المشروع التقسيمي الذي تسعى إليه الإدارة الأميركية وحلفاؤها في المنطقة إضافة إلى أنه يشكل مكافأة لنتنياهو في الانتخابات القادمة مقابل خدمات اليهود وأصواتهم ونفوذهم في الولايات المتحدة الأميركية في ظل ما يواجهه ترامب وسياساته من مآزق في الداخل الأميركي وعلى الساحة الدولية.

إن القرار يمثل درجة من الخطورة ويدخل دول العالم في بوتقة معادلات القوة بدل القانون الدولي والشرعية الدولية أي الفوضى الخلاقة وفيه نعي للأمم المتحدة ومجلس الأمن لتحل محلهما القوة الغاشمة ونفوذ وسطوة المال. والحال: انه ما كان للإدارة الأميركية أن تقدم على هكذا قرار لو أدركت أنها ستواجه بموقف عربي موحد بمواجهتها يؤثر على مصالحها في المنطقة وهي كثيرة ومتشعبة إضافة إلى أنه جاء وسط انقسام وتشرذم عربي غير مسبوق يتواطأ ويتآمر فيه بعض الحكام العرب على قضية العرب المركزية قضية فلسطين ويشجعون بل ويشاركون في حروب تشن على دول عربية، استخدم الإرهاب والتطرف أداة وذراعاً لها كما هو الحال في سورية واليمن والعراق وغيره من بلدان عربية أخرى وفي ظل صمت عربي مطبق تجاه ما تقوم به سلطات الاحتلال الإسرائيلي من اعتداءات مستمرة بحق الشعب العربي الفلسطيني تترافق مع عمليات تهويد وقضم منظم للأراضي العربية والأماكن المقدسة إسلامية ومسيحية في مدينة القدس مدينة المحبة والسلام.

إن استمرار الإدارة الأميركية ممثلة بترامب بانتهاج هكذا سياسات رعناء وغير محسوبة أو مسؤولة ومخالفة لكل المواثيق الدولية سيدخل العالم في حالة من الفوضى واللاستقرار ويخلق مناخاً سلبياً في العلاقات الدولية ويزيد من حالات التوتر فيها مع إمكانية حدوث صراعات جديدة يرافقها تطرف غير مسبوق وسيزيد ذلك أيضاً من عزلة أميركا على الصعيد الدولي ما يضعها أمام خيارات قد تكون خاطئة أو مدمرة حال بقيت طريقة تفكير ساكن البيت الأبيض بهذه العنحهيه واللاعقلانية السياسية.


د. خلف المفتاح

#شارك