فلتحيا الجزائر..

2019-03-14 11:26:00

أسوأ ما زرعته الإمبريالية في شعوب العالم الثالث عامة، ومثقفيه خاصة، هو التعامل مع الأحداث بالقطعة، بمعنى عزل الحدث عن سياقه التاريخي، سواء الداخلي (المحلي) أو النضال التاريخي ضد الاستعمار أولاً والهيمنة والتبعية لاحقاً. يتكرر المشهد العبثي اليوم في الجزائر، ونرى بيانات واحتجاجات يطلقها مثقفون وفنانون وقوى سياسية ليبرالية و«إخوانية»، ويشارك فيها رموز تاريخيون، ترتبط جميعاً بحدث محدد، يكون مفتعلاً وملفقاً في أغلب الأحيان، فمن أظافر «أطفال درعا في سورية»، إلى «المعتقلين» في ليبيا و«إعادة الشرعية» في اليمن، نجد أنفسنا اليوم أمام ماسموه «العهدة الخامسة» للرئيس بوتفليقة، رغم أنه أعلن عدم ترشحه لولاية رئاسية جديدة وأنه أصلاً لم يكن ينوي ذلك نظراً لوضعه الصحي وسنه وفق ما جاء في رسالة مفعمة بالوطنية وجهها للشعب الجزائري معلناً فيها أيضاً تأجيل الانتخابات.

لقد عبر السعيد سعدي- أمين عام حزب التجمع من أجل الثقافة- عمّا يطمح إليه المحتجون وهو: «إنهاء آثار انقلاب» والحديث هنا عن الانقلاب الذي جاء بالرئيس هواري بومدين إلى الحكم، وهو ما يعيدنا إلى عام 1980، بعد وفاة الرئيس بومدين وبداية ما عُرف بالحملة ضد البومدينية، التي نال الرئيس الحالي عبد العزيز بوتفليقة جزءاً منها، حيث صدر في حقه حكم بالسجن حينها. الأزمة في الجزائر، إذاً، بدأت في عام 1979 بعد وفاة بومدين، حيث اعتقد الكثير من القوى الداخلية والخارجية أن الفرصة مواتية لمحو إرث الثورة الجزائرية التي حافظت على موقف العداء للرأسمالية العالمية ودعم حركات التحرر في العالم، وخاصة في الوطن العربي وإفريقيا، كان الهدف تحويل الجزائر إلى دولة ديمقراطية بالشروط الغربية أو بعبارة أخرى «دولة معتدلة».

لم يتمكن الرئيس الشاذلي بن جديد من تحقيق الهدف المنشود رغم إطلاقه حملة تصفية البومدينية واعتماده إصلاحات اقتصادية ليبرالية. انتظر الجميع حتى عام 1988 حين اندلعت حملة احتجاجات شعبية على تردي الأوضاع الاقتصادية، التي نجمت عن انخفاض أسعار النفط العالمية، ورغم أن الاحتجاجات رفعت شعارات تطالب بتوفير المواد الأساسية «الزيت والسميد» إلا أن الإصلاحات السياسية التي اعتمدها بن جديد في شباط 1989 كانت سياسية في جوهرها، وانطوت على إنهاء حكم الحزب الواحد (جبهة التحرير الوطني الجزائري) وإطلاق التعددية الحزبية على الطريقة الغربية. جاءت الانتخابات بـ«جبهة الإنقاذ» وهي النتيجة التي رفضها الجيش الوطني الجزائري، لأنه رأى فيها تسليماً للبلاد لحركة «الإخوان المسلمين»، في تلك اللحظة اندلعت الأحداث الإرهابية فيما يصطلح الجزائريون على تسميته «العشرية السوداء»، ولو نظرنا إلى أحداث وشعارات تلك المرحلة بعيون اليوم، فإننا نستطيع القول بثقة إنها كانت البروفة الأولى لما سيُسمى لاحقاً «الربيع العربي» وهي المرحلة التي كلفت الجزائر أكثر من مئة ألف قتيل ومليارات الدولارات.

جاءت عودة عبد العزيز بوتفليقة إلى الساحة السياسية- وهو أحد أقرب رفاق هواري بومدين وأعضاء مجموعة وجدة، وفوزه بالرئاسة عام 1999- جاءت هذه العودة لتشكل كابوساً لكثير من القوى الداخلية والخارجية، في الداخل كان يبدو أن الصراع محصور بين الليبراليين وقوى الاسلام السياسي، وبعض قوى «الأمزغة» التي تنال حصة تتناسب مع تعميم مفهوم التعددية الثقافية بنسخته الغربية، أما في الخارج فكان لسان حال القوى الرأسمالية يقول: «بغض النظر عن الفائز في الصراع الداخلي، فإن النتيجة تصب في مصلحتنا». انصب اهتمام الرئيس بوتفليقة على حل الأزمة الوطنية الداخلية، فكان «قانون الوئام» عام 1999، ثم «ميثاق السلم والمصالحة» عام 2005، التي نجم عنها استقرار أمني وسياسي، لم تعكره محاولة اغتيال الرئيس بوتفليقة في مدينة باتنة عام 2007.

ورغم التوازن الذي حرص الرئيس بوتفليقة على خلقه بين مختلف القوى الداخلية، وتمكنه من تحييد القوى الخارجية من خلال تقديم بعض التنازلات التي لا تتناقض مع السيادة الوطنية، وموقع الجزائر في معسكر قوى التحرر الوطني إلا أن بعض قوى الداخل المرتبطة بالمعسكر الرأسمالي استمرت في افتعال الأزمات بين الحين والآخر، فكانت أحداث منطقة القبائل ما بين عامي 2001– 2002 والاحتجاجات على تعديل الدستور وترشيح الرئيس بوتفليقة لعهدتين ثالثة ورابعة. لكن القوى الخارجية لم تدفع الأمور نحو التأزم، واكتفت ببعض الإجراءات الاقتصادية التي أقرها الرئيس بوتفليقة، وخاصة في المجال المصرفي، التي ضمنت انخراط الجزائر في السوق العالمي.

ما الذي تغير، ولماذا الجزائر اليوم؟
رغم الموقف الحذر لفرنسا، المعنية تاريخياً بالملف الجزائري، كما قال وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان، جاء موقف الخارجية الأمريكية، على لسان الناطق الرسمي باسمها روبرت بالادينو، ليعبر عن دعمه للاحتجاجات قائلا: «إن بلادي تدعم الشعب الجزائري وحقه في التظاهر السلمي». هذا الموقف الأمريكي يدعونا للتوقف والتأمل، عندها سندرك أن جزءاً مهماً من حقيقة ما يحدث يقع في مكان بعيد جداً عن الجزائر. تراقب الولايات المتحدة الأمريكية بحذر- يقترب من الذعر- تنامي التعاون الروسي- الصيني في المجالين الاقتصادي والسياسي.. الولايات المتحدة اعتقدت أنها سددت ضربة قاصمة لطموحات البلدين، التي تجلت من خلال منظمة الـ «بريكس» عندما دعمت الانقلاب على الرئيسة البرازيلية ديلما روسيف، ثم أوصلت حليفها جايير بولسونارو إلى سدّة الرئاسة.. لكن الإنجاز لم يتحقق فقد بدأت منظمة «شنغهاي» للتعاون تشكل المنافس الأخطر لمنظمة الأمن والتعاون الأوروبي، التي تخشى الرأسمالية العالمية من أن تتخذ المنحى نفسه لمجموعة الـ«بريكس»، وخاصة فيما يتعلق بالتعامل التجاري بعملاتها المحلية، أو عن طريق تبادل السلع.

إن توقف روسيا والصين عن استعمال الدولار في تجارتهما الخارجية، وخاصة في مجال الطاقة، سيؤدي إلى خسارة الولايات المتحدة الأمريكية أكثر من مئة تريليون دولار، هذه الدولارات ستكون موجودة في السوق من دون التغطية الملائمة، ولن يكون أمام الولايات المتحدة إلا سحبها أو انهيار أسعار الدولار إلى مستويات غير مسبوقة، إن هذه الأرقام تجعل الأزمة المالية التي كادت تطيح بالنظام الرأسمالي عام 2008، تبدو كنزهة أو مقلب صغير. إذا وضعنا الأمور في السياق التاريخي للصراع بين المُستَعمِر والمستعمَر.. بين الناهب والمنهوب.. بين الرأسمالية وقوى التحرر الوطني، عندها نستطيع أن نفهم الحروب الرأسمالية على العراق، وسورية، وليبيا، واليمن، وإيران، وفنزويلا وأخيراً الجزائر.

ليس انحيازاً للرئيس بوتفليقة، ولكنه انحياز لما يمثله، انحياز للدولة الجزائرية وسيادتها الوطنية، في وجه إلغاء الدولة أو تفتيتها، إنه انحياز لقضايانا في مواجهة مصالحهم.

عماد خالد الحطبة

#شارك